آداب الغناء في مصر تاريخ من محاولات الوصاية

135 مشاهدة
لم تكن المعركة التي اشتعلت في مصر قبل أربع سنوات بين نقيب المهن الموسيقية آنذاك المطرب هاني شاكر والمطرب الشعبي حسن شاكوش حول آداب الكلمة المغناة الأولى من نوعها بل هي جولة من جولات حرب ممتدة على مدار قرن ونيف بين ما يجوز وما لا يجوز أن يصدر عن أفواه المغنيات والمغنين وإذ انتهت الجولة بتنحي النقيب عن منصبه وعودة شاكوش وغيره من مغني الحفلات والمهرجانات إلى الكلام المباح فذلك لأن صلاحيات رجل واحد وإن كان نقيبا للمهنة لا تملكه الأدوات اللازمة للوقوف في وجه رغبة جمهور عريض جارفة لسماع نوع من الغناء يرى نقاد وقيمون ومتذوقون أنه غناء رخيص موشحات أم طقاطيق سيرة مجتمع تتتبع الباحثة المصرية فيروز كراوية في كتابها كل دا كان ليه دار ديوان الشرق 2022 جذور الغناء في مصر الحديثة وأشكاله العامية والفصيحة وثماره الحلوة والمرة من مطلع القرن التاسع عشر حتى عصر اللعب اللفظية والفيديو كليب والغناء الإلكتروني والمنصات الرقمية التي حررت الغناء من كل سلطة رقابية رسمية سياسية أو اجتماعية أخلاقية أو أدبية نقدية وأهم ما يميز منهجية الكتاب أنها تفسر الظواهر الغنائية من خلال ربطها بالمتغيرات السياسية والتحولات الطبقية ليبدو صراع الذائقة الفنية الذي شهدته ساحة الغناء طوال العصر الحديث بين أداء راق وأداء مبتذل سيرة ذاتية للتاريخ الاجتماعي في مصر ومحيطها العربي رأى الخلعي أن الموسيقى صناعة أهل الذوق والفطنة والأدب ينقل كتاب الموسيقى الشرقي لمحمد كامل الخلعي 1879 1931 صورة من صور الفكر الموسيقي في عصره الذي تقول فيروز كراوية إنه شهد تطورات كبرى في الحياة الثقافية والفنية بتوجيه من الخديوي إسماعيل الذي أنفق إنفاقا باذخا على المرافق العامة وتأسيس المسارح الكبيرة والسيرك والأوبرا في حديقة الأزبكية لكن هذه التطورات لم تقنع الخلعي الذي كان يؤمن أن الغناء حالة روحانية لا يبلغها إلا ذو نصيب وافر من الثقافة والذوق والرقي انطلق فكر الخلعي من فلسفة الطبيعة القائمة على الانسجام بين العناصر والتناسب والتكامل والتناغم بينها وهي فلسفة تبناها القدماء من أفلاطون إلى ابن خلدون ولم يكن الخلعي راضيا عن مستوى الغناء في عصره ويرى أنه مختل وفاسد وأفرد بابا للعادات التي تفسد الغناء وتذهب بجمال الأصوات مثل انتشار الحشيش والخمور وبيوت الدعارة لم يكن نقده نابعا من حرص أخلاقي على نقاء المجتمع من العادات السيئة وإنما من حرصه على سلامة الذائقة الفنية لدى المغنين والمستمعين على حد سواء ومن إيمانه بأن الفن أداء وتلقيا يقوم على أصول وقواعد صارمة من الاجتهاد في العلم الموسيقي وامتلاك آداب التلقي فهو ينتقد الملحنين لضحالة علمهم بالمقامات واقتصار تلحينهم على مقامين دون باقي المقامات ثم يفرد فصلا تحت عنوان آداب المغني والسامع يورد فيه جملة من الشروط المشددة على المغني تحوله إلى نوع من الروبوت المبرمج وتسلب منه متعة الغناء لكنها تنقله في المقابل من مرتبة الهواية إلى مرتبة الاحتراف وتشذب صوته وأداءه الحركي والجسدي ليكون قادرا بصوته وجسمه على مواكبة الموسيقى وبلوغ المراد الطربي من دون إخلال أو تقصير وتستشف ثقافة الخلعي الغربية بتركيزه على أعلى درجات الدقة في الأداء وتنحية المشاعر الإنسانية وتعطيل المزاج الشخصي لصالح الإتقان وتحقيقا لهدف التعبير الفني على أكمل وجه وضعت المغنيات قواعد تحميهن من الابتذال في نهاية القرن الـ19 يلخص الخلعي رؤيته إلى الموسيقى بأنها صناعة أهل الذوق والفطنة والأدب وبحسب الشروط التي يضعها على المغني والملحن والمستمع يفهم أنه يقصد النوع الكلاسيكي من الموسيقى والغناء الملتزم بأصول المقامات والألحان الشرقية والناطق بالعربية الفصيحة والمحصور في الموشحات والقصائد والأدوار والموجه إلى نخبة مثقفة من المتلقين ويسقط الخلعي من حسبانه النوع الشعبي من الموسيقى والكلام العامي والأداءات العفوية والمواهب الفطرية التي لم تخضع لتدريب وتأهيل فني وسلوكي ويسخر الخلعي من المغنين الشعبيين في عصره ويطلق عليهم تسمية مغني القهاوي البلدية الذين لا ميزة لهم إلا الصورة القبيحة والصوت المنكر ويسمي أشهرهم سعد دبل ومحمد الحضري ومهران المشنوق وبلغ من احتقاره أنه هجاهم بقصيدة طويلة يقول في مطلعها ومغن إن تغنى أوسع الندمان غما الإسطوانة تدور والنساء يقدن تسعفنا فيروز كراوية في وضع الخلعي ورؤيته الفنية وفكره الموسيقى في سياق تاريخي شامل ضمن رؤية لا تؤثر نوعا غنائيا على نوع ولا تقع فى خطأ التعالي والإقصاء بمبررات الوصاية على الذوق الفني فبحسب الباحثة كان العصر الذي نشأت فيه ثقافة الخلعي عصر إرهاص فني أو مخاض لولادة متعسرة فالمجال الفني المتاح للنساء كان متداخلا بالعمل الجنسي الأمر الذي اضطرت معه الفنانات من مغنيات عوالم وراقصات غواز إلى مجاراة رغبات زبائنهن من الأجانب حيث كانوا مصدر دخلهن الرئيسي ولعل هذا ما يفسر نقمة الخلعي على المغنيات المنطلقة من حكم عام بأن النساء يفسدن الصورة الراقية للغناء التي يدعو لها إلا أن الحال تبدل بعد عهد الخديوي إسماعيل فبعد فرض الحماية على مصر عمل الإنكليز على فصل الرقص وحصره في الصالات فصار للمغنيات جمهور خاص ووضعن قواعد تحميهن من الابتذال وتزامن ذلك مع بدايات تشكل الطبقة الوسطى وتزايد جمهور النساء في الحفلات العامة وظهرت الأسطوانة وشركات التسجيل التي أدخلت الغناء إلى البيوت وفرضت رقابة ذاتية على الكلمة المغناة أما الجمهور الذي يشير إليه الخلعي فهو الطبقة العليا من المجتمع التي حافظت على تشدده في الفصل بين الجنسين وإبعاد النساء عن حفلات الغناء وهذا ما يفسر نظرة الخلعي للفن الراقي بأنه حكر على الطبقة الاجتماعية المحافظة من الذكور فحسب ورفضه أن ينظر إلى ما يعتمل في قلب المجتمع من تحولات تساهم فيها المرأة مغنية ومتلقية وهو ما قلبته الحالة المكتملة في أم كلثوم التي جمعت الخبرات والأصول المختلفة في شخصيتها الفنية ووحدت الطبقات كلها في ذائقة فنية واحدة قاص من الأردن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح