قبل 15 عاما
أول مرّة أعتمر فيها وأحجّ كانت في عام 2011. ومنذ ذلك الوقت، وأنا أشعر بأن جزءاً مني بقي هناك، عند الكعبة تحديداً، في تلك المسافة القصيرة بين النظر إليها أول مرّة وامتلاء العين بالدموع. مرّت 15 عاماً سريعاً على نحو يُثير الدهشة، تغيّرت خلالها أشياء كثيرة في العالم وفي داخلي أيضاً. ولكن موسم الحج ما زال يأتي كل عام كأنه نداء شخصي لا يخصّ أحداً سواي. أراه يقترب، فأشعر بأن قلبي يستيقظ من طبقات التعب اليومية، وبأن الروح تتذكّر فجأة مكانها الأول.
الغريب أنني عندما حججتُ أول مرّة لم أكن أفهم تماماً لماذا يخرج الناس من التجربة وهم مختلفون. كنت أظنّ أن الأمر مرتبط بالرهبة الدينية وحدها، أو بالمشهد الهائل للبشر وهم يطوفون في حركةٍ تشبه مجرى الزمن نفسه. بعد هذه الأعوام، أفهم شيئاً آخر. الحج لا يغيّرنا في لحظته وحسب، وإنما يظل يعمل فينا طويلاً، بصمت، كأن التجربة تستمر في الداخل حتى بعد العودة بسنوات.
أتذكر نفسي هناك بوضوح مدهش. امرأة جاءت محمّلة بأسئلتها الصغيرة والكبيرة، وبحياتها التي كانت تبدو مزدحمةً آنذاك بأشياء كثيرة اعتقدت أنها مهمّة. ثم وجدت نفسها فجأة أمام بناء مكعّب مكسوّ بالسواد، فإذا بكل التعقيدات البشرية تتراجع خطوة إلى الخلف. الكعبة لا تعظ أحداً، ولا تقول شيئاً بصوت مرتفع. مع ذلك، تضعك أمام نفسك بطريقة حاسمة. هناك، يشعر المرء كم أن حياته قابلة للاختصار، وكم أن قلبه يحتاج إلى قدر أقل من الصخب، وقدر أكبر من الصفاء.
أعتقد أن الفهم الذي تغيّر عندي طوال هذه السنوات يتعلق بمعنى الطمأنينة نفسها. كنت أظنها شعوراً عابراً، حالة مؤقتة تشبه الراحة، ثم اكتشفت لاحقاً أنها نوع من التصالح الداخلي، وأن الحج منحني لحظة نادرة رأيتُ فيها نفسي من دون الأقنعة اليومية التي نفرضها على أرواحنا ونحن نحاول النجاة من العالم. ولهذا أشتاق إليه. لا أشتاق إلى الرحلة بوصفها سفراً، ولا إلى الفنادق والطرقات والطقوس والشعائر وحدها، وإنما أشتاق أيضاً إلى تلك النسخة الخفيفة من روحي، النسخة التي شعرتُ
ارسال الخبر الى: