أغنية ياماه ويا باه ومسخاكم تبيعوني شوشانا الدماري وحزن العروس اليمنية

يمنات
حميد عقبي
تنتمي أغنية «ياماه ويا باه ومسخاكم تبيعوني» إلى فضاء أغاني الأعراس النسائية في صنعاء واليمن عمومًا، حيث نجد هنا أن الأغنية ليست مجرد زينة للفرح، لكنها تصبح مساحة عاطفية تكشف التوتر العميق بين الفرح الاجتماعي والحزن الشخصي.
فالعروس، وهي تغادر بيت أهلها إلى بيت الزوج، لا تظهر دائمًا كبطلة احتفال فقط، هي ككائن يقف على عتبة فقدان صغير: فقدان البيت الأول، الأم، الأب، الطفولة، والحماية العائلية. لذلك تأتي العبارة «ياماه ويا باه» نداءً مزدوجًا وموجعًا، فيه استعطاف وعتاب، وكأن البنت تقول إن الزواج، رغم شرعيته واحتفاله، يشبه في لحظة الفراق بيعًا رمزيًا للابنة وخروجًا قاسيًا من حضنها الأول.
وهنا يمكن أن نستنتج بأن الأغنية أشبه بوثيقة اجتماعية شديدة الحساسية. فهي لا تعارض الزواج، لكنها تمنح صوتًا للمسكوت عنه داخل الطقس: خوف البنت، ارتباكها، دمعتها المخفية، وشعورها بأن جسدها ومصيرها ينتقلان من سلطة عائلية إلى سلطة جديدة.
إذن سنجد وجود أبعاد متعددة تجعل الأغنية أكثر من لحن شعبي؛ فهي شهادة جدانية نسائية على لحظة انتقال مصيرية في حياة الفتاة اليمنية.
وعندما تؤدي شوشانا الدماري هذه الأغنية، فإنها لا تكتفي بنقل اللحن من الذاكرة اليمنية إلى الشاشة أو المسرح، لكنها تمنحه جسدًا دراميًا وصوتًا واسعًا.
شوشانا الدماري، المولودة في اليمن عام 1923 والمتوفاة عام 2006، تُعد من أهم الأصوات اليهودية اليمنية التي هاجرت إلى فلسطين ثم أصبحت لاحقًا إحدى أيقونات الغناء الإسرائيلي.
تعلمت منذ طفولتها كثيرًا من الغناء الشعبي عبر مرافقة والدتها التي كانت تحيي أفراح يهود اليمن، ولذلك جاء أداؤها مشبعًا بروح الطقس لا بروح الاستعراض البارد.
قوة الدماري في هذه الأغنية نابعة من قدرتها على الجمع بين الحنجرة المسرحية والذاكرة الشعبية.
صوتها قوي، عريض، واثق، لكنه لا يفقد الرجفة الداخلية التي تحتاجها أغنية وداع العروس. تمدّ النداءات بحزن واضح، وتمنح الكلمات مساحة للتنفس، فتبدو الجملة الغنائية وكأنها صرخة مكبوتة داخل زفة. كما أن ملامح أدائها، بين النظرة والحركة والنبرة، تكشف وعيًا دراميًا مبكرًا: إنها لا تغني النص
ارسال الخبر الى: