سياسة التوازن عبر الفوضى الرياض ومحاولة تصفير مشروع الجنوب

بقلم/ د. أمين العلياني
لا شيء يشبه ما يحدث في الجنوب العربي اليوم، ولا شيء يشبه هذه اللحظة التي يتدثر فيها الموت بثوب الحياة، وتلبس فيها السياسة قناع الشراكة، بينما تدير في الخفاء سكاكين التقسيم والتفتيت والتفريغ. إنها السياسة التي لا تعلن الحرب فتنتصر، ولا ترفع السلاح فتقتل، بل تخلق من الفوضى ميزانًا، ومن التمزيق توازنًا، ومن الأوهام حقائق، حتى يصبح الضحية هو الجلاد الذي يجهل أنه يذبح نفسه بيده.
وسياسة “التوازن عبر الفوضى” ليست نظرية تُدرس في الكتب فحسب، بل هي خطة تُطبّق بالدم والدمع والأعصاب في جسد الجنوب العربي المنهك، تحت رعاية سعودية باردة، لا تخطئها العين التي تريد أن تبصر، ولا تفوتها البصيرة التي تأبى أن تُخدع.
وسياسة “التوازن عبر الفوضى” ليست شعارًا يُرفع، ولا نظرية تُطرح للجدل الأكاديمي فحسب، بل هي استراتيجية دولة كبرى تتعامل مع الكيانات السياسية الناشئة كما يتعامل لاعب الشطرنج مع الرقعة: لا يهم من يسقط، المهم ألا يصل أحد إلى نهاية اللعبة منتصرًا. إنها السياسة التي لا تكتفي بتقسيم الخصم إلى فريقين، بل إلى عشرة فرق، ثم إلى مئة، ثم إلى شظايا لا تجتمع إلا على التناحر، ولا تلتقي إلا على الضياع.
وفي هذا النموذج، لا تسعى الدولة الراعية للفوضى إلى بناء كيان، ولا إلى دعم مشروع وطني واضح المعالم، بل إلى إنتاج حالة من السيولة السياسية المطلقة، حيث يصبح كل فصيل مشغولًا بإقصاء الفصيل الآخر، وكل قيادي منهمكًا في إثبات شرعيته وإثبات أهليته في مواجهة منافسيه، وكل منطقة منكفئة على هويتها المحلية في مواجهة الهوية الوطنية الجامعة. وهنا يتحقق المبتغى: لا غالب ولا مغلوب، لا منتصر ولا مهزوم، فقط فوضى منتجة للعجز، وفوضى مولّدة للتبعية، وفوضى تجعل من الدولة التي يطمح إليها شعب الجنوب ألا تكون إلا في صنعاء أو الرياض، فهي الملاذ الأخير، وهي الحكم الفصل، وهي صاحبة القرار حين يشتد الصراع ويبلغ السكين العظم.
إنها السياسة التي تجعل من الكيانات السياسية مجرد حمقى مفيدين، يظنون أنهم يخوضون معركة التحرير
ارسال الخبر الى: