زمن المسؤولية الضائعة عندما أصبح التهرب ذكاء كتب احمد علي البيتي

هل لاحظتم كيف تبدلت النفوس؟ في زمن مضى – ليس ببعيد – كان المرء يفرح بمسؤوليته ويفتخر بها. كان المسؤول في دائرته يرى منصبه أمانة وتكليفاً لخدمة الناس، وكان المواطن يبادر لإصلاح حيه ومجتمعه دون انتظار شكر أو مقابل، وحتى داخل الأسرة الواحدة، كان الصغير والكبير يتسابقون لأداء أدوارهم بروح مفعمة بالالتزام والبهجة. كان الجميع يعمل، والكل يشعر أنه ترس في منظومة واحدة هدفها العطاء.
أما اليوم، فقد ابتلينا بظاهرة غريبة تغلغلت في كل مستويات الحياة: التهرب من المسؤولية والبحث المستمر عن شماعة لإلقاء اللوم!
فلا المسؤول يقوم بمهامه كما ينبغي، ولا الأفراد يبادرون لخدمة محيطهم، بل وحتى الأطفال داخل الأسرة أصبحوا يتهربون من أبسط الواجبات، مرددين العبارة الشهيرة: هذا ليس عملي.. اطلب من غيري! والكل بات يربط جهده بالمكسب الشخصي والمقابل الفوري، فماتت قيم العطاء الطوعي لخدمة الأسرة والحي والمجتمع.
أين يكمن الخلل؟ طوفان السطحية وتشتت الانتباه
إذا أردنا أن نضع أيدينا على الجرح الحقيقي وراء هذا التقاعس العام، فإننا لن نجد متسناً كـ طوفان المحتوى السطحي الذي يغرق فيه مجتمعنا اليوم، وتسبب في تشتت الانتباه وغياب القدوة الحقيقية. هذا هو المحرك الأساسي للأزمة، وذلك من خلال عدة أبعاد:
اولا: غسيل أدمغة بقيم مزيفة: إن الانغماس اليومي في متابعة محتويات تافهة ومبتذلة تصوّر الجهد والالتزام والمسؤولية كعبء وثقل، بينما تروّج للتملص، والذكاء اللحظي، والربح السريع بلا تعب، أضعف بالتدريج الوعي بقيم الواجب الإنساني والأخلاقي.
ثانيا: تشتت الانتباه وضياع البوصلة: هذا الضخ المستمر للمعلومات والمقاطع السريعة أصاب العقول بـ التشتت المزمن. لم يعد لدى الفرد — مسؤولاً كان أم طفلاً — النفس الطويل والتركيز اللازم لمواجهة التحديات الحقيقية في واقعه، فصار يهرب من مسؤولياته لأنها تتطلب ثباتاً واصراراً وعمقاً لا يملكه.
ثالثا: أزمة القدوة وغياب النموذج: الأخطر من ذلك هو تصدّر الشخصيات السطحية للمشهد العام كـ رموز للنجاح، في مقابل تراجع قيمة المخلصين والجادين. عندما يتربى الجيل الناشئ، ويتحرك الموظف في عمله، وسط بيئة تفتقر للقدوة الحقيقية التي تقترن
ارسال الخبر الى: