الكتاب عمال المناجم
لا تزال العلاقة بين الكُتّاب والذكاء الاصطناعي، أشبه بعملية تفاوضٍ سريّ في محادثات تطبيع. والصِلة بينهما ما زالت في حدود بناء الثقة، لمعرفة ما يستطيع كل منهما أن يمنح الآخر، مع تعالٍ متبادل. وما يحدث في هذا العالم الجديد لا يحدث للمرة الأولى، فقد جرّبت الكتابة هذه التحوّلات، من الكتابة باستخدام الريشة، وصولاً إلى الكيبورد. لكن الجديد هذه المرّة، ليس أداةً أو وسيطاً، فالوافد الجديد يفكّر مع الكاتب، ويكتب معه.
وآخر هذه السجالات، التي أصبحت متكرّرة في صناعة النشر والكتابة، هو ارتباك الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك (نوبل، 2018)، أمام ما وصفته بإساءة تفسير تصريحاتٍ لها في فعالية أدبية في بوزنان، نهاية الشهر الفائت، وقد تحدّثت عن استخدامها أحد نماذج الذكاء الاصطناعي ليساعدها في العمل. وينطوي ما صرّحت به، ثم تراجعها في بيان، على ارتباك من يحمل قيمتين متناقضتين، وعلى ارتياب يسكن قطبي هذه العلاقة التطبيعية الناشئة.
جاءت تصريحات توكارتشوك، في البداية، في سياق اقتصادي مرتبط بالجهد الذي تتطلبه، اليوم، كتابة رواية ضخمة تقرأ تعقيد العالم، وكان حديثها عن إمكانية تشكّل علاقة تكافلية بين الكُتّاب والذكاء الاصطناعي، تخفف من جهد العمل. إذ، وعلى عكس المخاوف السائدة، رأت أن الكُتّاب، بحكم طبيعة مهنتهم، سيكونون الأكثر قرباً من أدوات الذكاء الاصطناعي. كما شرحت لجمهور الندوة أسلوبها في أن ترمي إلى نموذجها اللغوي فكرة لتحليلها، وتقول: يا عزيزي، كيف يمكن أن نطوّر هذا بصورة جميلة؟.
وعلى الرغم من معرفتها بالهلوسات والأخطاء الكثيرة في الخوارزميات، رأت توكارتشوك أن هذه التكنولوجيا مذهلة في الأدب التخيّلي. ثمّ مع انتشار تصريحاتها، والانتقادات التي وُجّهت إليها، بدا أن الكاتب الذي ينكبّ على المخطوطات ويقرأها، ويعمل لساعاتٍ طويلة، وجد نفسه أمام مقاربة جديدة اقتصادية، ومحبطة، وتصوّره غريباً. فقد ذكرت توكارتشوك، لو حُسبت الساعات التي أمضتها في كتابة روايتها الأخيرة، وفق أجر عامل يدوي، لمنحتها تقاعداً يليق بعمّال المناجم. لكن مع ذلك، أخالُ ما يثير الاعتراض، ليس هنا، إنما في إقرارها بقدرة الذكاء الاصطناعي في الأدب التخيّلي.
إمكانية تشكّل علاقة
ارسال الخبر الى: