من التفاوض المجزأ إلى الحزمة الإقليمية

تكشف التطورات الأخيرة في مسار التفاوض الإيراني-الأمريكي عن تحول استراتيجي جوهري في منهجية طهران يتجاوز فكرة “التفاوض على ملف واحد” نحو فرض “حزمة متكاملة” من الملفات المتشابكة بعد أن وضعت طهران الملف اللبناني في موقع متقدم وكجزء أساسي من مسار التفاوض لا يمكن فصله أو تجاوزه.
يعكس تعليق طهران لمسار التفاوض مع واشنطن على خلفية التهديدات الصهيونية بتوسيع العدوان على لبنان عقيدة راسخة للسياسة الخارجية الإيرانية، عنوانها أن وحدة الساحات تجاوز الشعار السياسي وبات إطاراً للعمل التفاوضي لا مجرد مناورة تكتيكية.
وهنا يجب فهم الدوافع والأسباب الموضوعية للبُعد الأكثر عمقاً في حديث إيران عن مفهوم أمنها القومي ليشمل ساحات إقليمية أخرى، فما يجري ليس طموحاً إيرانيا خاصاً أو حتى امتداداً أيديولوجياً، كما تُروّج بعض القراءات القاصرة أو المعادية، الأمر يأتي كاستجابة طبيعية وحتمية لطبيعة الخطر القائم.
حين يكون هناك مشروع هيمنة أمريكي-إسرائيلي لا يعترف بحدود السيادة ولا يميّز بين الساحات في استهدافه، فإنه يفرض واقعاً موضوعياً جديداً، وفي هذه الحالة يصبح الأمن القومي لأي دولة في مرمى هذا الاستهداف مشروطاً بأمن جيرانها وحلفائها، وهنا يلغى “الأمن القومي الوطني” لمصلحة “الأمن القومي الإقليمي”، ويتحول الدفاع عن لبنان أو فلسطين من مجرد دعم للحليف إلى تحصين للجبهة الأمامية في معركة دفاع مشتركة، تنصهر فيها الجبهات في بوتقة أمنية واحدة، تتجاوز كونها خياراً استراتيجياً إلى ضرورة وجودية.
وبقدر ما يعزز هذا الفعل من القوة التراكمية والتكاملية للمحور بشكل عام، فإنه يضع واشنطن والكيان الغاصب أمام معضلة كبيرة، ولطالما كان هذا الحلف التي يراهن على أن سياسة الفصل للجبهات البوابة الأسهل للاستفراد بكل جبهة على حدة، كما أنه وفي هذا المسار يزداد صعوبة المساعي الأمريكية في أحراز تسوية أو الوصول إلى تقدم مع إيران بخصوص ” الملف النووي ” وملفات أخرى، في ظل هذا التشابك، وبعد أن أصبح مسار التفاوض الجاري منصة لانتزاع انتصارات إقليمية تتجاوز إيران إلى حلفاكها.
إن ما تفعله طهران ترجمة استراتيجية لحقيقة ماثلة: أن المشروع التوسعي للعدو صنع لشعوب المنطقة
ارسال الخبر الى: